الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

69

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كتب في المصحف بألف بعد النون . واتفق القراء العشرة على إثبات الألف في النطق في حال الوقف ، وأما في حال الوصل فقرأه الجمهور بدون نطق بالألف ، وقرأه ابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب بإثبات النطق بالألف في حال الوصل ، ورسم المصحف يسمح بكلتا الروايتين . ولفظ لكِنَّا مركب من ( لكن ) بسكون النون الذي هو حرف استدراك ، ومن ضمير المتكلم ( أنا ) . وأصله : لكن أنا ، فحذفت الهمزة تخفيفا كما قال الزجاج ، أي على غير قياس لا لعلة تصريفية ، ولذلك لم يكن للهمزة حكم الثابت فلم تمنع من الإدغام الذي يمنع منه ما هو محذوف لعلة بناء على أن المحذوف لعلة بمنزلة الثابت ، ونقلت حركتها إلى نون ( لكن ) الساكنة دليلا على المحذوف فالتقى نونان متحركتان فلزم إدغامهما فصار ( لكنا ) . ولا يجوز أن تكون ( لكنّ ) المشددة النون المفتوحتها أشبعت فتحتها ، لأن لكن المشددة من أخوات إنّ تقتضي أن يكون الاسم بعدها منصوبا وليس هنا ما هو ضمير نصب ، ولا يجوز اعتبار ضمير ( أنا ) ضمير نصب اسم ( لكنّ ) لأن ضمير المتكلم المنصوب يجب أن يكون بياء المتكلم ، ولا اعتباره ضمير المتكلم المشارك لمنافاته لإفراد ضمائره بعده في قوله : هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً . ( فأنا ) مبتدأ ، وجملة هُوَ اللَّهُ رَبِّي ضمير شأن وخبره ، وهي خبر ( أنا ) ، أي شأني هو اللّه ربي . والخبر في قوله : هُوَ اللَّهُ رَبِّي مستعمل في الإقرار ، أي أعترف بأنه ربي خلافا لك . وموقع الاستدراك مضادة ما بعد ( لكن ) لما قبلها ، ولا سيما إذا كان الرجلان أخوين أو خليلين كما قيل فإنه قد يتوهم أن اعتقادهما سواء . وأكد إثبات اعترافه بالخالق الواحد بمؤكدات أربعة ، وهي : الجملتان الاسميتان ، وضمير الشأن في قوله : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي ، وتعريف المسند والمسند إليه في قوله : اللَّهُ رَبِّي المفيد قصر صفة ربوبية اللّه على نفس المتكلم قصرا إضافيا بالنسبة لمخاطبه ، أي دونك إذ تعبد آلهة غير اللّه ، وما القصر إلا توكيد مضاعف ، ثم بالتوكيد اللفظي للجملة بقوله : وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً . وعطف جملة وَلَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ على جملة أَ كَفَرْتَ عطف إنكار على إنكار . و ( لولا ) للتوبيخ ، كشأنها إذا دخلت على الفعل الماضي ، نحو لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ